tgoop.com/ibbfree/161671
Last Update:
من زنزانة الكهنوت.. معلم يحاور الغياب
✍ صلاح الطاهري
في قبوٍ ضيق، تكاد الجدران أن تنكمش على جسده الواهن، يجلس المعلم وحيدًا في زنزانة حوتية لا يعرف الليل فيها فجراً ولا الصبح فيها نوافذ. العتمة كالغربان تحط على كتفيه، والصمت كوحشٍ أخرس يلتهم أنفاسه. هناك، حيث لا يسمع سوى وقع دقات قلبه، يفتح سجالاً صامتًا مع نفسه، وكأنما يحاور ظله الهارب في العتمة.
يسأل: أماه… كيف حالكِ وقد أثقلتِك السنون؟ هل وجدتِ من يطرق بابكِ ليحضر دواءكِ الذي كنتُ أعدّ الأيام لشرائه قبل أن تختطفني أيادي الظلام؟ أتبكينني في سجودكِ، أم تذكرينني حين تغمركِ الوحدة وتغالبكِ كتمة السعال وحشرجة النحيب والبكاء..
ثم يتنهد كمن يجر صخرة من صدره، ويهمس: يا زوجتي… كيف لكِ أن تحملي بيتًا على كتفيكِ وغياب رجلٍ كان عماده؟ كيف تداوين جراح الصغار بيدٍ ضعيفة وقلبٍ مثقل بالهموم؟ صغيري… أترى يسأل كل ليلة: "أين أبي؟" أم أن عينيه امتلأتا بالصمت المرّ؟ وبناتي… تلك الكبرى التي خطت نحو الجامعة بخطوات كالعصافير، هل ما زالت تكتب أحلامها أم خطّ الحزن سطوره على دفاترها؟ وصغيرتَيّ، هل خفت ضحكاتهما بين جدران المدرسة، أم ما زالتا تتعثران في الدروب بحثًا عن حضنٍ غائب؟
يمرر كفه على وجهه كمن يلمس غياب العالم، فيتداعى شريط آخر: إخوته، طلابه، حلقة القرآن بين المغرب والعشاء، الأرملة التي كان يطرق بابها خفية ليضع كسرة خبزٍ أو بعض نقود. من يملأ هذه الفجوات التي تركها؟ القرية بلا صوته كدارٍ بلا أبواب، والمسجد بلا حضوره كسماءٍ بلا نجوم، والمدرسة بلا معلمه كأرضٍ بلا مطر.
ويأتيه طيف صديقه صاحب البقالة، يتذكر وعده بسداد الدين القريب، ثم يتوجس هل انصبّت الديون على زوجته؟ هل يقف الحساب عند عتبة بيته الصغير ليضاعف المهانة على أسرته؟ أيُعقل أن تتحمل زوجة ضعيفة كل هذا الثقل بينما هو سجين جدران صمّاء؟
يرفع رأسه نحو سقفٍ لا يرى فيه غير ظلام متراكم، ويحدّث نفسه: ما أكثر امتحانات الحياة، وما أفظع أن يُختبر وطنٌ بخيانةٍ من داخله. إن أكبر المآسي ليست الزنازين وحدها، بل أن تُسلَّم البلاد لمشاريع سلالية عمياء لا تعرف من الإنسانية غير اسمها.
ومع ذلك، يتشبث بخيطٍ رفيع من الرجاء لن يهزمونا. وإن غاب صوتي بين هذه الجدران، فصوت الحق باقٍ. وإن قُيّد جسدي، فلن يُقيد وطني. سأصبر كما صبر الأنبياء، وأحتسب كما احتسب الشرفاء. فالثبات، الثبات… هو حبر الكرامة الأخير في كتاب هذه الأرض.
ثم يسدل جفنيه، ودمعة ساخنة تسيل ببطء كأنها وصية مكتوبة على وجنته
سيشرق الفجر مهما طال الليل… وسيعود الوطن حرًا، وإن دفعنا في سبيله ارواحنا.
🔻 لمتابعة آخر الأخبار والمستجدات في محافظة إب واليمن على قناتنا في تيلجرام يرجى الضغط على رابط القناة أسفل 👇
https://www.tgoop.com/ibbfree
🌐 شبكة إب الإخبارية I.N.N
BY شبكة إب الإخبارية

Share with your friend now:
tgoop.com/ibbfree/161671